على مدار الساعة

أين ذهبت الأندية الشعبية في موريتانيا /بقلم : الدكتور محمد ولد الحسن

05/27/2026 - 02:46

كانت أندية مثل لكصر، والكونكورد، وانتات السبخة، وإيمراكن، وغيرها من الأندية الشعبية، جزءا أصيلا من ذاكرة الكرة الموريتانية، بل كانت تمثل روح الأحياء الشعبية وصوت الشارع الرياضي الحقيقي، حيث وُلدت من رحم المجتمع، واعتمدت على حب الناس وشغف الشباب أكثر من اعتمادها على المال والإمكانات.

 

هذه الأندية لم تكن مجرد فرق كرة قدم، بل كانت مدارس للقيم والانضباط، ومصانع للمواهب، ومساحات اجتماعية تجمع الشباب وتحميهم من الانحراف والضياع، كما كانت تشكل هوية رياضية وثقافية للأحياء التي تنتمي إليها.

 

لكن مع مرور السنوات، بدأ حضور هذه الأندية يتراجع تدريجيا، لتحل محلها أندية المؤسسات والشركات، المدعومة ماليا وإداريا، والتي استفادت من تطور كرة القدم الحديثة، حيث أصبحت المنافسة تتطلب ميزانيات كبيرة، وتنظيما احترافيا، وبنية تحتية متطورة.

 

وقد نجحت أندية المؤسسات في فرض نفسها بقوة، بفضل الاستقرار المالي، والقدرة على استقطاب أفضل اللاعبين والأطقم الفنية، إضافة إلى توفر وسائل النقل والتكوين والرعاية الصحية والإدارية، مما جعلها أكثر قدرة على المنافسة محليا وقاريا.

 

لكن رغم ذلك، يبقى السؤال المطروح: هل أندية المؤسسات أفضل من الأندية الشعبية؟

الحقيقة أن لكل نموذج مزاياه. فأندية المؤسسات غالبا ما تحقق نتائج أسرع بسبب الإمكانيات المتوفرة، بينما تبقى الأندية الشعبية الأقرب إلى الجماهير، والأكثر ارتباطا بالهوية المحلية، والأفضل في اكتشاف المواهب وصناعة الانتماء الحقيقي لكرة القدم.

 

المشكلة ليست في وجود أندية المؤسسات، بل في اختفاء التوازن. فالكرة الموريتانية تحتاج إلى الاثنين معا: أندية قوية ماليا وقادرة على التنافس، وأندية شعبية حية تمثل الأحياء والمجتمع وتمنح البطولة روحها وجماهيرها.

 

إن اختفاء الأندية الشعبية ليس مجرد تحول رياضي عادي، بل هو خسارة اجتماعية وثقافية أيضا، لأن هذه الأندية كانت جزءا من ذاكرة الناس وحياتهم اليومية.

 

واليوم، تبدو الحاجة ملحة لإعادة الاعتبار للأندية الشعبية، عبر دعمها ماليا، وتأهيل ملاعبها، وتشجيع التكوين القاعدي فيها، حتى تستعيد مكانتها الطبيعية داخل المشهد الكروي الوطني.

 

فالكرة التي تفقد جذورها الشعبية، قد تكسب المال والتنظيم، لكنها تخسر جزءا كبيرا من روحها.