على مدار الساعة

الجار المنفلت لا يُواجَه بالمدافع /الشيخ المامي

03/29/2026 - 17:34

القصة: بعد قتل قادة سرية مؤتة الثلاثة الذين تم تعيينهم بقرار نبوي، أمام سيول جيوش العرب المتنصرة، اصطلح الناس على إمارة القائد العسكري الفذ خالد بن الوليد، وهو إذ ذاك حديث عهد بالإسلام، فاتخذ قرارا بالانسحاب من المعركة، وهو القرار الذي سماه الرسول صلى الله عليه وسلم فتحا.

----

المقال: المقاربة الواقعية التي تفرضها الجغرافيا قبل السياسة، تفرض أن مصلحة موريتانيا اليوم مرتبطة أكثر من أي وقت مضى، بتغليب منطق الاحتواء وضبط النفس في التعاطي مع التوتر القائم على الحدود مع مالي، والابتعاد عن أي انزلاق نحو خيار عسكري قد تتجاوز كلفته كل المكاسب المتوقعة منه.

 

فالدول، في معناها السياسي الكلاسيكي، تُقاس بقدرتها على بسط السلطة، واحتكار أدوات القوة، وضمان وحدة القرار على كامل التراب الوطني. 

 

غير أن الحالة المالية الراهنة تكشف واقعاً أكثر تعقيداً؛ إذ إن السلطة المركزية في باماكو، رغم ما تحظى به من دعم عسكري خارجي، بما في ذلك الحضور الروسي، لا تبدو ممسكة إلا بجزء محدود من المجال الوطني، في وقت تتوزع فيه بقية المساحات بين جماعات مسلحة متباينة الولاءات، وتنظيمات محلية، وقوى أزوادية، وشبكات تهريب عابرة للحدود، واقتصادات ظلّ تفرض منطقها الخاص.

 

وفي فضاء بهذا القدر من التفكك، يطرح السؤال العسكري المعقد؛ ضد من يمكن توجيه القوة تحديداً..؟ وأي طرف يمكن تحميله المسؤولية الكاملة..؟ 

 

فحين تتراجع الدولة إلى حدودها الدنيا، وتفقد احتكارها للعنف المشروع، يصبح الرد العسكري التقليدي أقرب إلى دخول مجال مفتوح بلا مركز واضح ولا نهاية محسوبة.

....

ظل المفاضون الألمان يحرصون دائما على التفاوض مع رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري حول القضايا التي تخص صراع المــ.ــقاومة والكيان الصهيوني، في حضور ممثل للـــ.ـــحرس الثـــ.ـــوري الإيراني، لأنهم يدركون جيدا أن دولة الرئيس لايمكن أن يفرض رأيا على المــ.ــقاومة، والدولة اللبنانية فاقدة للمركز السلطوي، الذي يضمن الحوار، وأزرع طهران يمكنها أن تضمن نتائج أي حوار مع المــ.ــقاومة.

....

إن البلد الذي يعيش حالة سيولة أمنية عميقة، ولا يملك مؤسسات مستقرة على امتداد جغرافيته، يصبح أقل تأثراً بمنطق الردع الكلاسيكي، لأن الردع يفترض وجود طرف يخشى الخسارة ويحسب الكلفة السياسية والعسكرية؛ أما حين تتوزع السلطة بين فاعلين متعددين، فإن معادلة الضغط تصبح أقل فعالية، وتغدو المخاطر أكبر على الطرف الأكثر انتظاماً واستقراراً.

 

ومن هنا، فإن التعامل مع الوضع المالي خارج أطر الصبر الاستراتيجي، قد لا يحقق الغرض المطلوب، لأن الأزمة هناك أصبحت أزمة بنية دولة كاملة تعيش منذ سنوات على وقع التشظي، حيث تختلط السلطة بالسلاح، والسياسة بالاقتصاد غير النظامي، والتحالفات بالضرورات الميدانية.

 

كما أن انفراط العقد الداخلي في مالي جعل من الصعب التعويل على ضامن صلب لأي تفاهم دائم؛ إذ أن أي التزام سياسي قد يصطدم بواقع ميداني تتحكم فيه قوى متباعدة المصالح والمرجعيات؛ لذلك، فإن أي حوار، مهما بلغت أهميته، يظل محدود الجدوى إذا لم يرافقه إدراك بأن جزءاً كبيراً من القرار الفعلي يوجد خارج المؤسسات الرسمية، وبالتالي فلا بد من إيجاد ضامن حقيقي للنتائج.

 

وفي هذا السياق، قد يكون الخيار الأكثر منطقية أمام موريتانيا هو تحويل الحدود إلى أولوية سيادية مطلقة؛ تتمثل في ضبط محكم للمعابر، ومراقبة صارمة لحركة العبور، ومنع أي تنقل غير مضبوط نحو الداخل المالي، لأن هشاشة الجوار تفرض أحياناً تشديد المجال الوقائي أكثر من توسيع هامش التفاعل.

 

وقد يتطلب ذلك، من الناحية القانونية والإدارية، بناء إطار واضح يحد من العبور الفردي نحو المناطق عالية المخاطر، باعتباره جزءاً من حماية الأمن الوطني في لحظة إقليمية مضطربة؛ فالحدود، في مثل هذه الحالات، تتحول إلى جدار وقائي بين نظامين مختلفين، إحدهما يسعى إلى حماية التوازن الداخلي، والثاني مفتوح على احتمالات يصعب ضبطها.

 

ثم إن الحروب، في جوهرها، لا تنتج التنمية، بل تعيد ترتيب الأولويات قسراً لصالح الإنفاق الأمني، وتؤجل الاستثمار، وتربك السوق، وتستنزف الطاقة الوطنية في لحظة يعيش فيها العالم أصلاً اضطرابات متلاحقة بفعل النزاعات الدولية وارتفاع كلفة الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد.

 

ومن غير الحكيم أبدا، في ظل هذا المناخ الدولي المثقل بالأزمات، إضافة نزاع جديد إلى فضاء إقليمي هش، خصوصاً إذا كان سقفه غير مضمون، ومآلاته مفتوحة على احتمالات يصعب التحكم فيها.

 

إن العقل السياسي يُقاس بقدرته على التمييز بين ما يجب الرد عليه بالقوة، وما يجب احتواؤه بالعقل، لأن بعض الأزمات لا يكون الانتصار فيها في التقدم نحو النار، وإنما يكون في منع النار من الوصول لمن يساقون إليها وردا.

..

للعبرة: إن الانسحاب أمام مجنون مسلح لا يعتبر هزيمة.